28
2011
حبوب هلوسة الثائرين!
لم يكن يتصور الحكام أن تلعنهم الجماهير في عز النهار .. وتدوس صورهم التي كانت تعلق في الشوراع لسنوات ..هذا التصور جاء بسبب النفاق الذي خلفه الإستبداد .. فالشعوب أنفسها ساهمت في هذا السقوط الذهني .. يقول علماء النفس أن الإنسان لديه إمكانية أن تتولد عنده عقيدة بخصوص ” أمرٍ ما” إذا كررت المعلومة بشأنه على العقل عدة مرات .. ! فماذا نقول عن شعوب تقول لحكامها في كل ثانية وفي كل صحيفة وإذاعة : أنتم العز والمجد والكرامة .. أنتم الحكماء والأنقياء الأتقياء .. على إيديكم وجدنا من العدم !
حتى من تدعو الله في صلاتك أن يكون من بطانة هذا ” الحاكم ” لعله يقدم له نصيحة ، أو يوصل صوت مبحوح.. لاتلبث أن تغيره الأيام ليتحول إلى مخلب يؤذي عباد الله وبتوقيع عن ” الله ” !
تقترب الشعوب من الحرية وروح الثورة بقدر بعدها من النفاق والتسابيح المزورة ، لايمكن أن تكون بوقاً في المساء وتصبح في حاجات الناس في الصباح تتحدث بلغة المحرومين والمظلومين ..! الثكلى المستأجرة يقف نواحها حينما تقبض حسب الإتفاق !
إذاً لاغرو أن يعتقد الحاكم أن المطالبة بالحرية ” ذهاب للعقل “ والرغبة في المساواة ” تعدي على الحدود” .. وفوق هذا وذاك لاينبغي أن ينسى الناس أن الحصول على نزر يسير من الحقوق إنما جاء بـ ” مكرمة سخية “ نوى بها الحاكم صدقة جارية!
فماهذا العقوق أيتها الشعوب ؟
السنا من علمكم وأشترى لكم الخبز .. ! السنا من داوكم وأوقد لكم الضوء !
بدوننا ستأتيكم أمريكا .. وتضمكم إيران لمشروعها .. ! ويفسد دينكم بن لادن !
تباً لكم سائر الدهر .. !
تسقط الحكومات على شعوبها ماتفعله في الخفاء .. فمن هم العملاء ! والخونة ! الحاكم أم المحكوم؟ التأريخ وحده يشهد .. !
فيالحقارتكم حين تستعبدونا .. ويالحقارتنا حين نرضى .. !
الشعوب تقول لحكامها ضعوا أيديكم في أيدينا .. لتكون رقابنا دون كل شبر من الأرض .. فتكف الحكومات وتترفع ولاتثق.. وتختار الغرب الذي يمتص ثرواتها وثروات شعوبها المقهورة !
وحين يطول أمد الطغيان .. تصطف الشعوب ضد جلاديها .. وتحترق هذه الكروت ويلوح الغرب بإنتهاء ” إستخدامهم ” والبحث عن بديل !
نحن نضحك من تصريحات القذافي .. حين يسأل شعبه : من أنتم ! أنا المجد ! وبعدي سيشرد بكم في الأرض ! نسخر منه لإنه أجرأ الرؤساء في التعبير عمايدور في داخله .. هذا صحيح ، لكن مايصرح به القذافي علانية هو تماماً مايؤمن به إخوانه الزعماء في السر ..! يختلفون قليلاً في طريقة البوح ولايبتعدون عن بعضهم في العمل لإن منطق الإستبداد واحد !
لذا حين تتلمس الشعوب طريقها نحو الحرية .. يسأل الحكام في غرابة: من بعثكم من مرقدكم هذا !
السجن والإعدام والكبت والفساد “رأس مال” المستبدين ! فلا تستغربوا أن زعيماً عربياً واحداً لم ينكر على القذافي إبادة شعبه! وأي شيء نريدهم ينكرون والكتاب الذي يقرأونه واحد ! والخبرات يتم تبادلها .. فهل يقف الثعلب واعظاً للصلاة !
” الحرية ” أيها السادة .. أعظم حبوب هلوسة في التأريخ .. ومروجوها هم الأجدر بالحياة ! ثمنها غالٍ .. ومن يشمها مرة يبذل في سبيلها كل شيء !
والمهلوسون متعاطو هيروين الإصلاح هم مجموعة أفراد أدمنو النقاش الحر ، يحششون العدالة والمساواة في مقاهي تويتر ، ويهربون إبر الشجاعة في أزقة الفيس بوك .. أقبية مدوناتهم تحوي لفائف خاصة بفضح المفسدين .. !
يحبون عصير الوطن ويكرهون عصر الجماهير وإستنزافها .. ! لايمكن أن تصنفهم الأبالسة .. إذا ماشئت أن ترميهم بشرر الحزبية أعيتك الحيلة ، يقولون نحن أبناء هذا الشعب وشركاء في الوطن ، ليس لهم رأس تقطعه فيموت الجسد .. مجموعة أسياد ،، إذا مات فيهم سيد قام سيد .. حضاريون في مساعيهم .. يفهمون كثيراً مايحيط بهم ولديهم إجابات واضحة لمن يحذرهم من مخططات عدوهم .. سؤال واحد لايعرفون له إجابة : ما الخطأ في أن يسأل المرء عن حقه ! ولماذا لايعطاه !
لا عاصم اليوم من أمر ” الثوار ” إلا من رحم شعبه ، وأصلح مايمكن إصلاحه قبل فوات الآوان ! فالأوضاع في العالم العربي متشابهة إلى حد كبير والذي لم تصله النار لاينبغي أن يطل من نافذته القريبة بإستعلاء ويسأل : من أين يأتي هذا الدخان !
ذاكرة الشعوب لاتنسى .. ومن يتسول الحوار اليوم .. سيجهر بـ ” لاتصالح ” غداً !
ماقبل ” الثورات ” ينادي الناس بالعدالة ورفع الظلم والحريات .. وحين يؤذن المؤذن (أيتها العير إنكم لسارقون) يرتفع سقف المطالب ليصبح إسقاط النظام برمته هو المطلب الأول والأخير!
لكل رئيس اليوم مقعدين أحدهما في نار الثورة والآخر في جنة الإصلاح ، فليبتبؤ الرؤساء مقاعدهم حيث شاؤا ! كان ذلك في كتاب الأحرار مسطوراً .. !
هناك حكام ستسمح لها الشعوب بالإصلاحات قبل أن يدركها الغرق .. وهناك مجرمون ينبغي أن يغادروا حالاً لإن مافعلوه في شعوبهم ذنب لايغتفر .. !
هناك عشرات الأمهات اللاتي كتبن على جدران الليل ماقاله الثائر جيفارا :” الدموع لاتسترد المفقودين ولا الضائعين ولاتجتر المعجزات ! وكل دموع الأرض لاتستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود ” !
فأي شيء بوسعه أن يحملنا اليوم لنلهث خلف ” مفقوداتنا ” !
كتب الندوي ” ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين ” .. !
واليوم تكتب شعوبنا العربية الحرة كتاباً مقدساً عنوانه :” ماذا خسر العالم بغياب الثائرين” ! لا أود أن أقول ” بانحطاط الثائرين” .. لإنه لا ثائر منحط..! فأبوعزيزي رحمه الله أحرق نفسه ليقول أن ” الإنحطاط “ حالة لا يرتضيها الأحرار إلا وباطن الأرض خير من ظاهرها ..!
كل شعب بوسعه أن يحصي حجم الخسائر الفادحة في كل يوم يغيب فيه من يطالب بحقوقهم وينتزع الكرامة لهم !
داخل كل فرد عربي ” ثائر ” صغير .. يغذيه الظلم والفساد .. وليس هناك شك أن هذا الصغير يكبر كل يوم ..!
يكبر معه الرعب الذي يسكن الزعماء!
كل نظام عربي يسقط ، يزيد في إيمان الشعوب.. ويقدمها خطوات.. ويصعد بها إلى مدارج الطلقاء ..لإنه عمل صالح يعرج بالنفوس إلى مواطن الكرامة التي منحاها الله للناس .. وحرمها منها الطواغيت .. ! ( ولقد كرمنا بني آدم) فلماذا تهينوه!
ليست وحدها العبادات مثل الصلاة والصيام تزيد في الإيمان .. “الثورات” أيضاً تزيد في طهارة النفوس .. وليس هناك موقف أروع من أن ترى الشعوب أمامها عدالة الله .. وسوء عاقبة الظالمين !
وأي دين يقف في صف المستبد ولايمنح المظلوم مخرجاً عزيزاً هو ” أفيون ” لايستحق أن يؤمن به الإنسان .. !
القذافي ” عورة الحكام ” مؤخراً يندب حظه ويعترف بخطأه الجسيم حينما حارب السلفية ” الحركة ” في الماضي .. اليوم يعترف بفضلهم ويضع يده في أيديهم .. لم يدر في خلده أن يجد ديناً يمنع الخروج على مثله سوى عند هؤلاء ! الآن فقط يشعر هذا المستبد بعظمة إكتشاف :لاشرع يبيح الخروج عليه .. !
هذه السعادة الغامرة تبرزها قناة “الجماهيرية الليبية” كل يوم وهي تستضيف مشرعي الطغيان ..!
ربما وجد القذافي ضالته في حكم ملخصه ببساطة : “أن الخروج عليه حرام ولايجوز في شرائع السماء” ! ويتمنى لو يسعفه الوقت ليبوب لهذه الفتوى في كتابه الأخضر بجوار عبارته الشهيرة ” المرأة تحيض والرجل لايحيض ” !
هو وأمثاله يسارعون اليوم في حفظ ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وقد كانوا من قبل لايعرفون من القرآن إلا ” كتبه عثمان طه” !
هذا الإحتفاء الكبير بهذه الفتاوي .. دفع القذافي للإحتساب وإرسال هذه الفتاوى الخيرية على هواتف الليبين من أجل نشر دين الله .. وبيان سماحة الإسلام في التعامل مع الحاكم الذي ينحر شعبه !
اليس هذا دليل على أن هذا الفكر يرمى ولايروى ..! هذا “الفقه الرديء” هو الذي يدمر الإنسان ويطمس عقله وبصيرته !
ولايفتوني ياسادة .. أن أعرج على شرذمة آخرى تحاول أن تعبث بأفكار الناس ومصائرها،، مثقفين” من جنبها ” يمدون سادتهم في الغي طهر الله أسماعكم عن ذكر هذا السوس الذي ينخر في الإعلام !
هم جزء من الظلم الذي يريد الناس أن يتخلصوا منه ،، بقاء هؤلاء المثقفين يمارسون دور الوالد الكبير إساءة للإنسان كمخلوق سوي .. !
القائمة التي حوت ” من جنبها ” كانت ناقصة كثيراً .. لازالت هناك فطريات تنمو على الأحداث .. تطل برأسها .. وتتحدث كثيراً لكنها لا تقول شيئاً، فقط تريد أن تسجل موقفاً .. ولو كان مخجلاً ..!
وبمناسبة ” الخجل ” ، ترسل بعض الشركات التسويقية في الصين موظفيها الجدد يتسولون ويمدون إيديهم للناس في الشارع الرئيسي بمدينة تشانجتشون في إطار تدريبهم للعمل على السماجة والحد من إحساسهم بالحياء في الأماكن العامة وكذلك تخليصهم من الخجل !
هذه الفكرة يمارسها بعض المثقفين بحذافيرها ..! يستخدمون فقط الصحف والتلفزيون عوضاً عن الشارع!
فبعد أن خلع المصريون الأبطال ” حسني مبارك ” ، راهن أحدهم أن ثورة الشباب مجرد “حركة عيال” .. لم تكن سالفة ” حبوب الهلوسة ” قد بلغتنا بعد! وحين انتصر الأبطال خنس متأبط الذل هذا .. فلاحس ولاخبر !
” ربعنا ” ثقلنا عليهم شوي .. مالهم وللثورات ..!! ” دا هم كانوا حلوين ” بيتكلموا عن الجماعات الإسلامية والظواهري .. والبعض الآخر متخصص في الليبرالية والتوسعية والسريالية.. ! ولو سألت أحدهم قبل أحداث تونس ما الثورة ! لربما قال: إن الثورة أنثى الثور .. !
إذاً.. فالهاء في ” من جنبها ” يعود على ” الثورة ” المضطهدة من قبل الثور .. ! فابحثوا عن حقوقها أيها المثقفين .. تحاوروا ودافعواعنها.. تجادلوا في شأنها .. وأسألوا إن أردتم : هل يجوز أن ترتبط ” الثورة” بآلة الحراثة أم لا … ! فالثورة ” الأنثى ” هنا ،، أسهل عليكم بكثير من ” الثورة ” بتاع عيال الفيسبوك وتويتر ..!
هناك من يرمى في مزبلة التأريخ .. وهناك من ترمي التأريخ بجميع حاوياته فيه .. لإنه مزبلة كبيرة تسع كل وسخ هذه الحياة ! وفي زمن الثورات .. سنرمي التأريخ في كثير من المثقفين المتلونين ..!